دارا ديفي

DSC_0070

أكثر من مجرد منتجع، إنه صرح حضاري وثقافي يخطّ سطور من تاريخ مملكة لانا (Lan Na)، التي ازدهرت شمالي تايلند على مدى بضعة قرون من الزمن، ولم يتبقَ الكثير من أوابدها اليوم ليحكي حكايتها.

DSC_0076

لا بد أن معظم تعابير الوصف الإيجابية مبالغ جداً في استخدامه لدى الحديث عن فندق أو منتجع مميز، بما فيها كلمة مميز، ناهيك عن رائع وجميل واستثنائي وفاخر إلخ. لكن خلال الساعات الأولى من وصولي إلى منتجع دارا ديفي (Dhara Dhevi) في مدينة تشانغ ماي (Chiang Mai) الواقعة شمالي مملكة تايلند، وجدت الكلمات الملائمة لوصف هذا المعلم السياحي والتاريخي: “إذا أردت رؤية معالم تشانغ ماي، لا تُقم في هذا المنتجع”.

PANO_20160821_110902_edited
يضم المنتجع حوضي سباحة كبيرين

وقد يظن البعض أن هذا وصف سلبي، إذ قد يتوارد للخاطر من الوهلة الأولى أنني أنصح الزائر بعدم الإقامة في منتجع دارا ديفي، علماً أنني خصصت مقال له. والواقع أن هذا المنتجع متميز واستثنائي لدرجة أنك إذا أقمت فيه خلال تواجدك في مدينة تشانغ ماي، لن ترغب بمغادرته لجماله وتعدد المرافق والأنشطة التي يوفرها، وقد تنفذ إجازتك دون زيارة معالم المدينة.

يقع المنتجع على بعد حوالي 5 كلم من وسط مدينة تشانغ ماي، وحوالي 7 كلم عن المطار الدولي. وتبعد تشانغ ماي نفسها حوالي 700 كلم عن العاصمة بانكوك، حيث يمكن الوصول إليها بالقطار أو بالطائرة أو بالسيارة أو الباص. وتتطلب الرحلة براً ما بين 8 ساعات بالسيارة و11 ساعة بالقطار.

DSC_0291_edited.jpg

ويمكن وصف منتجع دارا ديفي بأنه وجهة سياحية رائعة للاستجمام والاسترخاء، وفي ذات الوقت معلم تاريخي وثقافي قلّ نظيره في تايلند والعالم، فقد تم تشييد هذا الصرح المعمار على نحو يحاكي أنماط العمارة التقليدية في منطقة تشانغ ماي، والتي كانت بلداً مستقلاً عن تايلند يدعى مملكة لانا حتى العام 1775، حين انضوت تحت لواء مملكة تايلند كما نعرفها اليوم.

ويمزج المنتجع في سماته المعمارية ما بين عدة طرازات معمارية سادت في أرجاء مملكة لانا عبر التاريخ، وتأثرت بالثقافات التي مرت بها، بما فيها الطراز الكولونيالي (Colonial) والبورمي (Burmese) والصيني (Chinese) والسيامي (Siamese)، وهو الاسم القديم لمملكة تايلند، وطراز تاي لو (Thai Lue) وغيرها.

DSC_0091
طراز تاي لو

DSC_0064
الطراز البورمي

DSC_0366
الطراز الكولونيالي

ويضم المنتجع كل ما قد يخطر على بال من مرافق استجمام وترفيه، بما فيها مسبحين كبيرين (أحدهما يشرف على حقل أرز)، و3 مطاعم تقدم مأكولات من 3 مطابخ متنوعة؛ وهي غراند لانا (Le Grande Lanna) التايلندي وفرانغ سيس (Farang Ses) الفرنسي وفوجيان (Fujian) الصيني، إلى جانب مطعم آكاليغو (Akaligo)، الذي تُقدم فيه وجبة فطور مفتوحة من مختلف مطابخ العالم صباحاً، ويتحول إلى مطعم رين (Ren) الياباني مساءً. كما يضم المنتجع متجر حلويات يختص بصنع حلوى الماكرون (Macaroon) الفرنسية ويعد من بين الأشهر في تايلند والمنطقة. ويجري حالياً العمل على تشييد مطعم إيطالي أيضاً.

كما يضم المنتجع مسابح وصالات رياضية ومنتجع صحي (يعد من ضمن أفضل 10 على مستوى القارة)، وقرية تسوق صغيرة، مصممة على نحو يحاكي الأسواق التقليدية في مملكة لانا، ومدرج مسرحي للعروض الفنية، إلى جانب مركز للحرف والمصنوعات اليدوية التقليدية في المنطقة. علاوة على ذلك، يضم الفندق حقل أرز صغير يتوسط الفيلات، الهدف منه إطلاع الزوار على تقاليد زراعة الأرز في مملكة لانا، والتي تفتخر حتى اليوم بإنتاجها لعدد كبير ومتنوع من أصناف أرز الطعام، وتحرص على الحفاظ على تقاليد هذه الزراعة الهامة في آسيا.

DSC_0033
يتوسط الفيلات في المنتجع حقل أرز

وقد تمت مراعاة أصغر التفاصيل في تصميم هذا الصرح المعماري الفريد من نوعه، بما فيها اختيار وتشكيل الأخشاب والأحجار المستخدمة في رصف الساحات والجسور على نفس النمط الذي اعتمد تاريخياً في مملكة لانا.

وعلاوة على كونه وجهة رائدة قلّ نظيرها للسياحة والاستجمام، يمثل المنتجع متحفاً معاصراً يعرض الأنماط المعمارية والتقاليد والعادات وفنون الرقص والغناء الفولكلوري من مملكة لانا وعموم تايلند والمنطقة.

وهو أمر يعزز تميز هذا الصرح كمعلم سياحي وحضاري في آن واحد، حيث أن معظم آثار وملامح حضارة مملكة لانا اندثرت، وحتى مدينة تشانغ راي لم تعد تضم سوى جزء صغير متهدم من سور المدينة القديم وبوابة واحدة.

ويجدر الذكر أن معظم أبنية المنتجع حديثة، ويعود تاريخ بناءها إلى أوائل القرن 21، باستثناء مطعم غراند لانا، والمدرج المسرحي، واللذين يعود تاريخ بناءهما إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. لكن تمت الاستعانة خلال العمل بأبرع البنائين والحرفيين على مستوى المنطقة، لضمان التركيز على أدق التفاصيل، بهدف إعطاء الزوار فكرة وافية عن ملامح تاريخ مملكة لانا ومنطقة شمالي تايلند عموماً، وتقديم معلومات كافية حول تقاليد البناء والتصميم المعماري والطعام والسكن والزراعة والرقص والغناء الفولكلوري وزراعة الأرز في المنطقة.

وهذا المنتجع دون أدنى شك من أجمل المنتجعات التي أقمت بها، وأنصح من يزور تشانغ ماي بزيارته ولو لبضعة ساعات، علماً أن المنتجع يفتح أبوابه للزوار غير المقيمين. ويمكن تناول الطعام في أحد مطاعمه، أو حتى مجرد فنجان قهوة في متجر الحلوى.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s