بوتان؛ مملكة التنين الرّاعد

دير عرين النمور، أشهر معالم بوتان السياحية، يقع على بعد ٣ ساعات سيراً من مدينة بارو

بوتان هي مملكة واقعة على سفوح جبال الهيمالايا، تعد من أجمل بلدان العالم وأكثرها إثارة للاهتمام. وهي دولة صغيرة من حيث المساحة وعدد السكان (٧٠٠ ألف نسمة)، ولا سيما بالمقارنة مع جارتيها العملاقتان؛ الهند والصين، كبرى دول العالم من حيث عدد السكان، واثنتين من أكبر دول العالم من حيث المساحة. وتحيط هاتان الدولتان بمملكة بوتان من جميع الجهات، وبالتالي فليس لها أي منفذ على البحر، ولا يمكن الوصول إليها براً دون المرور عبر الهند أو الصين.

العاصمة تيمبو محاطة بقمم تعانق السحاب

تتسم معظم أرجاء بوتان بكونها جبلية شاهقة، حيث تقع كبرى مدنها على سفوح تعلو أكثر من ٢٢٠٠ متر عن سطح البحر، في حين تربو ارتفاعات بعض مناطقها الجبلية عن ٧٠٠٠ متر. وتنخفض الارتفاعات في جنوبي بوتان إلى ٢٠٠ متر عن سطح البحر، الأمر الذي يجعل مناخها يتراوح ما بين شبه الاستوائي في الجنوب، والقطبي في الشمال.

وهذا التنوع في المناخ يمنح بوتان ثروة زراعية وطبيعية فريدة من نوعها، حيث تجد في أسواقها منتجات تشتهر بها المناطق المدارية كالموز والأناناس، وسواها من المنتجات والنباتات التي تنمو في المناطق الجبلية مثل التفاح والعنب والجوز والصنوبر. كما أن هذا التنوع المناخي يمنح بوتان غنى لا قرين له بالمناظر الطبيعية التي تجعل منها إحدى أجمل دول العالم دون شك.

تتميز يوتان بطبيعة جبلية ساحرة وغابات عذراء شاسعة

ولم تفتح بوتان أبوابها للسياح حتى سبعينيات القرن الماضي، ولم يدخلها التلفاز والإنترنت حتى مطلع الألفية الجديدة، الأمر الذي صبغها بكونها إحدى أكثر دول العالم عزلة. ومع أن هذا الأمر قد يبدو سلبياً، إلا أنه ساهم في حماية المملكة من رياح العولمة وما تحمله من تغيير كبير للمعالم الثقافية والتقاليد المحلية، وحتى طمسها في بعض الأحيان. فضلاً عن ذلك، فقد ساهمت هذه العزلة في محافظة الشعب البوتاني على بساطته وطيبته التي فطر عليها البشر قبل وصول رياح العولمة إلى مدنهم وقراهم، حيث يعد البوتانيون من أكثر شعوب العالم طيبة وضيافة وسعادة.

الطرق في جبال الهيمالايا متعرجة بسبب وعورة التضاريس

وكما ذكرت، فإن السفر براً إلى بوتان يتسم بالصعوبة نظراً لضرورة المرور في أراضي دولتين شاسعتي المساحة للوصول إليها، ناهيك عن أن الطرق تغدو متعرجة جداً عند الوصول إلى سفوح جبال الهيمالايا، ما يحد من سرعة القيادة بشكل كبير (حدود السرعة ٥٠ كلم في الساعة) وبالتالي فإن قطع مسافة قصيرة بالسيارة قد يستغرق ساعة أو أكثر (تبعاً لحالة الطريق والطقس). من جهة أخرى، فلا يمكن الوصول بحراً إلى بوتان لعدم امتلاكها أي منفذ على البحر أو على أنهر يمكن الإبحار فيها من المرافئ القريبة، ما يجعل السفر جواً الخيار الأمثل للوصول إلى بوتان.

مطار بارو الدولي

ويوجد في بوتان مطار دولي واحد هو مطار بارو (Paro, PBH)، يستقبل رحلات جوية محدودة من بانكوك ودلهي وكالكوتا وكاتماندو وداكا. وفضلاً عن محدودية خطوط الطيران ووجهات السفر من وإلى بارو، فإن المطار يقع على ارتفاع عالي عن سطح البحر، ووسط قمم جبلية شاهقة، ما يجعل الطيران إليه صعباً ويتطلب طيارات خاصة وطيارين عالي الخبرة مدربين تدريباً خاصاً يمكن عدّهم على أصابع اليدين حول العالم. وفي ظل هذه الظروف، فإن الساعات التي يسمح فيها بالهبوط والإقلاع من مطار بارو محدودة، حيث تتوقف حركة الطيران من وإلى المطار تماماً بعد غياب الشمس.

يقع المطار الدولي على ارتفاع ٢٢٣٥ متر عن سطح البحر وهو محاط بقمم شاهقة تربو عن ٣٠٠٠ متر، ما يجعل الهبوط فيه والإقلاع منه مقصوراً على طيارين مدربين تدريباً خاصاً

علاوة على ما ذكر، تفرض مملكة بوتان على زوارها بقصد السياحة رسوم تبلغ ٢٠٠ دولار أمريكي يومياً للفرد. وتختلف وجهات النظر حول هذه الرسوم بين مؤيد ومعارض، فهي دون شك تمثل عقبة في وجه الراغبين بزيارتها، إلا أن حكومة بوتان تسخّر معظم هذه الرسوم لدعم وتطوير قطاع السياحة وتحديث البنى التحتية وصيانة وتنظيف وتجميل الوجهات السياحية في بوتان لتبقى بحالة جيدة حرصاً على ضمان استمتاع السياح بزيارة مميزة جداً.

صور من بوتان

ولا شك أن هذا المزيج الفريد ما بين جمال الطبيعة الذي قلّ نظيره وطيبة الأهلين وصعوبة السفر إلى بوتان والرسوم اليومية يجعل من بوتان إحدى أكثر وجهات السفر حصرية في العالم، وقبلة لنجوم الشاشة والغناء وسواهم من المشاهير. وكثيراً ما يلتقي المرء بسياح خططوا لزيارة المملكة لسنوات طويلة، وحتى لعقود طويلة. وكان منهم شقيقتان توأمان ألمانيتان وصلتا على إحدى أولى الطائرات التي حطّت في مطار بارو عقب فتح الحدود للسياح يوم ٢٣ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٢. وبحسب روايتهما، فقد حلمت الشقيقتان إيفا وباتيا بزيارة بوتان منذ كانتا مراهقتان، وأخيراً حققتا حلمهما وهما في سن ٧٦ عاماً.

حلمت الشقيقتان إيفا وباتيا بزيارة بوتان منذ ٦٠ عاماً وآخيراً حققتا حلمهما

ولا شك أن أول سؤال قد يخطر على بال القارئ بعد هذه المقدمة؛ ما الداعي لزيارة بوتان في ظل هذه الصعوبات؟ والإجابة السريعة على هذا السؤال أن بوتان ليست وجهة سياحية تناسب الجميع، بل إنها تناسب ثلاث شرائح محددة من السياح بشكل خاص. وسأحاول في المقالات التالية الإجابة على هذا السؤال بشكل مفصل، واستعراض شرائح محبي السفر الذين تناسبهم بوتان بشكل خاص.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s